محمد راغب الطباخ الحلبي
490
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
إليهم . واستخار اللّه تعالى في قراءة البخاري والشفا فأخذ في القراءة فيها علينا أياما ، وكنا نخاطبه في أثناء التقرير بمثل أفندي وسلطانم ، فذكر لبعض من كان بمجلس درسه أنه لا يطيب ذلك على خاطري ، وأمر بتركه في مثل ذلك المقام العلمي . وطالما كان ينوي النظر في حال الأوقاف بنور اللّه تعالى ، حتى بلغه أن متولي الفردوس بحلب بل مدرسه باع من حجارته جانبا ، فركب إلى الفردوس وأمسك المشتري وشدد عليه وخلص ما استولى عليه من الحجارة إذ لم يأمن النار التي وقودها الناس والحجارة . وعمل في البيمارستان النوري بنور اللّه تعالى حيث فتش على متوليه فأخرج عليه أكثر من مائة دينار سلطاني مع ما في البيمارستان من المواضع الخربة ، ثم أمر بعمارتها من ذلك المال . ولم يزل على فعل الخيرات إلى أن مات مطعونا سنة تسع وأربعين ، وتأسف عليه الحلبيون خاصهم وعامهم ، وأقفلت الأسواق للصلاة عليه وأطبق الناس على الترحم عليه . وكان قد سئل قبيل الموت هل ننقلك إلى دمشق أو ندفنك بحلب ؟ فقال : أبقوني بحلب فإن أهلها يحبونني . وأخبر قبيل الوفاة أن عليه صلوات خمسة أيام ، فطلب الماء فتوضأ ، ثم كان في أثناء ذلك انتقاله إلى رحمة اللّه تعالى ، ثم كان دفنه بجوار باب السفيري في قطعة أرض كان الشيخ شمس الدين محمد السفيري الشافعي قد أعدها لدفنه ، فأبى اللّه إلا أن يكون هو المدفون بها . قال الشيخ شمس الدين : ولقد رأيته في المنام وهو جالس تجاه القبلة حيث كنت أجلس من الحجرة التي بالعلمية بالقرب من منزل سكني ، فلما أقبلت عليه نهض قائما وأخذ يبتسم كأنه يستعطف خاطري من جهة دفنه فيها دوني . ومن عجيب الاتفاق أني قلت للشيخ مصلح الدين القريمي وكلانا واقفان على قبره يوم دفنه : ما أدراكم لعله يتناقص الطاعون بموته أو ينقطع ، فاتفق أن تناقص من ثاني يوم وهلم جرا . واتفق له يوما ونحن معه في مذاكرة البخاري أن قال : إنا نريد أن نقرأ في البخاري إلى كتاب الإيمان ، فلم تمتد قراءته إلا إليه ثم انتقل إلى رحمة اللّه تعالى . وسئلنا في أبيات تكتب على لوحي قبره فعملناها غير أنها لم تكتب عليها ، فمنها لأحدهما :